الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
الكلمة الطيبة أمانة قبل أن تكون مهارة، وهي جسر يمدّه المرء إلى قلب أخيه قبل أن تكون حجة يقارعه بها. ومن هنا كان للدعوة إلى الله منهج قرآني واضح، لا يُترك فيه الأمر لحماسة عابرة أو غيرة غير منضبطة، بل يُبنى على أصل محكم رسمه القرآن الكريم في آية جامعة من سورة النحل.
الأصل القرآني
قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل: 125).
في هذه الآية تتدرج مراتب الخطاب: حكمة تضع الكلمة في موضعها المناسب وتراعي حال المخاطَب وزمانه، وموعظة حسنة تلين القلب ولا تجرحه، ومجادلة بالتي هي أحسن إن دعت الحاجة إلى الحوار. ثم يُختم المشهد بلفتة بليغة: إن الهداية بيد الله وحده، وهو أعلم بعباده. فالداعي مبلِّغ لا حاكم، وبشير لا وصيّ على القلوب.
الرفق منهج لا أسلوب عابر
ليس الرفق في الدعوة زينة تُضاف عند الحاجة، بل هو جوهر المنهج نفسه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم). وأوصى صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا» (متفق عليه).
وقد وصف الله نبيه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل عمران: 159). فإذا كان اللين هو ما جمع القلوب حول خير الخلق، فمن باب أولى أن يكون سبيل من جاء بعده. بل إن الله أمر موسى وهارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون، على طغيانه، بقول ليّن، لعله يتذكر أو يخشى. فأي مخاطَب بعد ذلك يستحق الغلظة؟
في حياتنا اليومية
ونحن في بلدتنا، حيث يعرف الجار جاره ويلتقي الناس في المسجد والسوق والمناسبات، تكون الدعوة بالحال قبل المقال. ابتسامة صادقة، وصبر على من أخطأ، وستر لمن زلّ، وكلمة رقيقة في موضعها؛ كل ذلك من الموعظة الحسنة وإن لم يُرفع فيه صوت. ومن جرّب أن ينصح أخاه سرًّا برفق، عرف أن القلوب تُفتح بالمفاتيح اللطيفة، وأن التشهير والتعنيف لا يزيدان النافر إلا نفورًا.
والحكمة تقتضي أيضًا أن نعرف متى نتكلم ومتى نصمت، وأن نقدّم القدوة على الخطبة، وأن نحسن الظن بالناس، فما كلُّ مقصّرٍ جاحد، وما كلُّ غافلٍ معاند.
نسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأن يرزقنا كلمة طيبة تنفع ولا تجرح، وقلبًا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه.
